هناك ألم لا يبدو كحادثة منفردة، بل كضجيج خلفي يرافق الحياة. ألم لا نتعرف إليه غالباً إلا متأخرين، لأنه نشأ مبكراً جداً ويحتاج إلى طبقات كثيرة من الشفاء حتى نصل إلى جوهره؛ لا في العقل، بل في الجسد.
لا علاقة له بإلقاء اللوم. إنه يأتي من شيء أبسط كثيراً، ولهذا تحديداً يبدو قاسياً: الحنين إلى أن تظل البراءة مصونة من الأذى.
ألا تُستغل الروح. وأن نستطيع الاسترخاء من دون أن يستغل أحد ذلك. وأن توجد أماكن لا نحتاج فيها إلى اليقظة الدائمة أو الأداء أو التبرير أو التحمل. بعض الناس لم يعرفوا هذا قط، لأنه لم يوجد من يقول: أنت آمن. يمكنك أن تكون كما أنت. أنا أسندك. لست مضطراً إلى فعل شيء.
هذا الألم خوف أولي وحزن أولي في آن واحد. خوف لأن المنظومة تعلمت أن الاسترخاء قد يكون خطيراً؛ وحزن لأننا ندرك يوماً أن شيئاً افتقدناه كان ينبغي أن يكون حقاً لكل إنسان. وليس الأمر متعلقاً بتاريخنا الشخصي وحده، بل باللحظة التي نبدأ فيها برؤية كيفية عمل العالم.
كيف يغتاب الناس ويستغلون ويتحولون إلى السخرية، وكيف يستهزئون بالبراءة أو يدمرونها، ثم يقدمون ذلك بوصفه أمراً طبيعياً.
حيث يُقدَّم النجاح على العلاقة مع العميل، ويُنظر إلى الحب كإنقاذ، ويعلو الإنجاز على جوهر الإنسان. حيث تُهاجَم إن لم تحمل العبء، وتصبح القضية أهم من الروح، والاستهلاك أهم من الإنسانية، والواجب أهم من الوجود، والإنجاز أهم من المشاركة…
حيث تكون قيمة الخارج أعلى من قيمة الداخل.
إنه يصيب القلب مباشرة؛ ليس فقط لأن براءتك لم تُحمَ، بل لأنك تكبر وتدرك: هذا العالم لا يحمل النقاء والبراءة!
يستطيع كثيرون التعايش مع ذلك بالتكيف أو بالتبلد إلى درجة تسمح لهم بالمشاركة، وبالكاد يشعرون بأرواحهم. لكن آخرين لا يستطيعون. يحملون شيئاً لا يمكن إنكاره من دون أن ينكسروا داخلياً. وعندها يدركون أن كل محاولة للتخلص من ذلك الجزء الداخلي كي لا يشعروا بالألم عبثية، ويصلون إلى إدراك:
أنا لا أنتمي إلى هذا المكان.
أنت في المجال غير المناسب. إنه مؤلم ومحرر في الوقت نفسه، لأنك تستطيع أخيراً أن تتوقف عن ليّ نفسك.
لأنك لم تعد قادراً على خيانة شيء فيك. فهناك أماكن وأشكال من العلاقات تشعر فيها: إذا بقيت هنا، سأفقد شيئاً جوهرياً من نفسي. حين ينتهي مجرد البقاء وتريد الحيوية أن تولد.
أنت منفتح أكثر مما يحتمل عالم مغلق. وألمك، في هذه القراءة، ليس مجرد جرح، بل دليل على أنك لا تريد أن تدفع براءتك ثمناً للانتماء.
لكن قبل أن تتحرر، يظهر جرح الوداع الذي أريد أن أكشفه لك:
لا شيء يبقى معك.
أنت أكثر من اللازم. أعمق من اللازم. غير مريح أكثر من اللازم. لا شيء يبقى معك. والأسوأ: أنك تريد أكثر من اللازم. وفي لحظة ما تبدأ بتصديق ذلك. فينشأ الخوف من أن كل شيء يرحل لأنك غير قادر على حمل شيء. لكن هذا قلب للحقيقة.
ما حدث فعلاً هو أنك تعلمت البقاء حيث كان عليك أن تخون نفسك. تحملت وتكيفت وحملت الأعباء ووفّقت وأدرت الأمور… أعرف أنك لم ترد ذلك يوماً؛ إنه غياب الاختيار، لأنك لم تعرف بديلاً. وهذا ما بدا لك وكأن «لا شيء يبقى».
الحقيقة مختلفة: كنت قادراً على الحمل، وربما أكثر قدرة على الارتباط ممن قابلتهم. لكنك بقيت تحمل طويلاً حيث لم يكن ممكناً الحفاظ على سلامتك. لا يكمن الحل في تحمل الناس بصورة أفضل، بل في أن تكون أخيراً حراً داخل نفسك: حراً بما يكفي كي لا تضطر إلى البقاء، وحراً بما يكفي للاختيار.
وعندما تستطيع المغادرة من دون أن تفقد نفسك، تستطيع أيضاً البقاء من دون خيانتها. عندها يتضح أن أشياء كثيرة تبقى معك؛ لكن ليس ما يؤذيك.
تكمن الصعوبة في سرعتك ومواهبك التي قد تبدو استثنائية إلى حد يصعب معه أن تجد من يستطيع حملها.
لا ينغلق الجرح عندما تتوقف وتصغّر نفسك، بل عندما تستعد أخيراً، وفق صورتي المجازية، لأن تغمر مجالك بالنار السوداء، وتتلقى دليلاً حياً على أن شخصاً يستطيع رؤيتك والشهادة على حقيقتك وحملك بكل ما أنت عليه. أنا هنا.
هذا النص لمن يشعرون بذلك تحديداً؛ لمن يأتي ألمهم من أخذ الحقيقة والحماية والبراءة بجدية أكبر مما يجدونه كثيراً حولهم.
إلى الذين لم يولدوا كي يكونوا مريحين، بل ليذكّروا بحقيقة لا يريد أحد سماعها وقد نُسيت طويلاً، لكنها تحرر. إلى الأرواح التي تمثل المرفأ، رغم أن كثيرين يفضلون الغرق في البحر. إلى من يمضون في هذا الطريق حتى حين لا يصفق أحد. إليك، لأنني أستطيع أن أشعر بك. الحقيقة تعرف الحقيقة.
احصل على Healing Journey مقابل 27 يورو:
